محمد بن جرير الطبري

74

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جل ثناؤه أمر كل قائم إلى الصلاة بالتطهر بالماء ، فإن لم يجد الماء فالتيمم ، ثم أخرج القائم إلى الصلاة من كان قد تقدم قيامه إليها الوضوء بالماء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن يكون قد أحدث حدثا ينقض طهارته ، فيسقط فرض الوضوء عنه بالسنة . وأما القائم إليها وقد تقدم قيامه إليها بالتيمم لصلاة قبلها ، ففرض التيمم له لازم بظاهر التنزيل بعد طلبه الماء إذا أعوزه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله لم يزل عفوا عن ذنوب عباده وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به ، كما عفا عنكم أيها المؤمنون عن قيامكم إلى الصلاة التي فرضها عليكم في مساجدكم وأنتم سكارى . غَفُوراً يقول : فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم بتركه معالجتهم العذاب على خطاياهم ، كما ستر عليكم أيها المؤمنون بتركه معاجلتكم على صلاتكم في مساجدكم سكارى . يقول : فلا تعودوا لمثلها فينالكم بعودكم لما قد نهيتكم عنه من ذلك منكلة . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ اختلف أهل التأويل في معنى قوله جل ثناؤه : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ فقال قوم : معناه : ألم تخبر . وقال آخرون : معناه : ألم تعلم . والصواب من القول في ذلك ألم تر إلى الذين : ألم تر بقلبك يا محمد علما إلى الذين أوتوا نصيبا . وذلك أن الخبر والعلم لا يجليان رؤية ، ولكنه رؤية القلب بالعلم لذلك كما قلنا فيه . وأما تأويل قوله : إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ فإنه يعني : إلى الذين أعطوا حظا من كتاب الله ، فعلموه . وذكر أن الله عنى بذلك طائفة من اليهود الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ فهم أعداء الله اليهود ، اشتروا الضلالة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ إلى قوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ قال : نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب اليهودي . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم يعني : من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال : راعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك ثم طعن في الإسلام وعابه ، فأنزل الله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ إلى قوله : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق بإسناده عن ابن عباس ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ يعني جل ثناؤه بقوله : يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يختارون الضلالة ، وذلك الأخذ على غير طريق الحق وركوب غير سبيل الرشد والصواب ، مع العلم منهم بقصد السبيل ومنهج الحق . وإنما عنى الله بوصفهم باشترائهم الضلالة مقامهم على التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وتركهم الإيمان به ، وهم عالمون أن السبيل الحق الإيمان به وتصديقه بما قد وجدوا من صفته في كتبهم التي عندهم . وأما قوله : وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ يعني بذلك تعالى ذكره : ويريد هؤلاء اليهود الذين وصفهم جل ثناؤه بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب أن تضلوا أنتم يا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم المصدقين به أن تضلوا السبيل ، يقول : أن تزولوا عن قصد الطريق ، ومحجة الحق ، فتكذبوا بمحمد ، وتكونوا ضلالا مثلهم . وهذا من الله تعالى ذكره تحذير منه عباده المؤمنين أن يستنصحوا أحدا من أعداء الإسلام في شيء من أمر دينهم ، أو أن يسمعوا شيئا من طعنهم في الحق . ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عداوة هؤلاء اليهود الذين نهى المؤمنين أن يستنصحوهم في دينهم إياهم ، فقال جل ثناؤه : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ يعني بذلك تعالى ذكره : والله أعلم منكم بعداوة هؤلاء اليهود أيها المؤمنون ، يقول : فانتهوا إلى طاعتي عما نهيتكم عنه